ابن تيمية

17

مجموعة الفتاوى

وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ } وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } . وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالْحُزْنِ مَا يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَحْمُوداً مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ كَالْحَزِينِ عَلَى مُصِيبَةٍ فِي دِينِهِ وَعَلَى مَصَائِبِ الْمُسْلِمِينَ عُمُوماً فَهَذَا يُثَابُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ وَبُغْضِ الشَّرِّ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْحُزْنَ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَفْضَى إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ مِن الصَّبْرِ وَالْجِهَادِ وَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ نُهِيَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ حَسَبَ صَاحِبِهِ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ وَأَمَّا إنْ أَفْضَى إلَى ضَعْفِ الْقَلْبِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ كَانَ مَذْمُوماً عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُوداً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ كُلُّهَا خَيْرٌ مَحْضٌ وَهِيَ حَسَنَةٌ مَحْبُوبَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ مِن النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَنْ قَالَ إنَّ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ تَكُونُ لِلْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ فَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادَ خُرُوجَ الْخَاصَّةِ عَنْهَا : فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا مُؤْمِنٌ قَطُّ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْهَا كَافِرٌ أَوْ مُنَافِقٌ . وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِكَلَامِ بَيَّنَا غَلَطَهُ فِيهِ وَأَنَّهُ تَقْصِيرٌ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ بِكَلَامِ مَبْسُوطٍ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ .